• الجمعة 17 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر05:50 م
بحث متقدم

الوعى والوعى الزائف..من يدفع للزمار؟؟

مقالات

لعل من أسوأ ما أسفرت عنه نتائج الحرب العالمية الثانية هوهذا التطور المرعب فى تكوين وعمل أجهزة المخابرات ..سيكون علينا هنا أن نذكر بكثير من التأمل أهم وأخطر رئيس مخابرات فى التاريخ كله كما يقولون هاينريش هيملر(1900-1945)المؤسس الحقيق للمخابرات الألمانية(الجستابو) والذى تربى صغيرا فى الحزب النازي ثم ما لبث أن التحق بقوات النخبة(ss)عام 1925 وسرعان ما أوكل إليه هتلر قيادة القوات الخاصة المعنية بحمايته الشخصية وبهذا التعيين يصبح هيملر اقوى شخصية فى المانيا النازية فيشرف على كل الأجهزة الأمنية فى ألمانيا بما فيها الجستابو والتى كما قلنا  كان هو مؤسسه الحقيقى ..الأستاذ الصحفي(مجدى كامل) له كتاب هام فى هذا الموضوع اسمه(الصناديق السوداء)تحدث فيه عن أجهزة المخابرات وعن سيرة حياة عدد من اهم الرؤساء لهذه الأجهزة.. جورج تينيت الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات المركزية الأمريكية وأحد أهم رؤساؤها أيضا له كتاب هام سجل فيه تجربتة عنوانه(فى قلب العاصفة)الذى نشرت ترجمته العربية فى بيروت(دار الكتاب العربى)وأظرف شىء ظريف كل الظرافة الظارفة ان فى هذا الكتاب فصل كامل عن رئيس جهاز مخابرات بلد عربى..فصل كامل أيها الأصدقاء يتحدث فيه(تينيت)عن رئيس جهاز المخابرات هذا ودوره فى المنطقة العربية وتشعب علاقاته بأجهزة المنطقة وتعاونه الوثيق مع السي أي أيه..من تحدث عنه(تينيت) فى كتابه وفى فصل كامل هو(اللواء عمر سليمان).
شىء ممتع ومثير ان يعمل المرء فى أجهزة من هذا النوع والتى لاحدود لنشاطها وعملها وتدخلاتها وأسرارها ونفوذها..يحكى لنا رجاء النقاش فى كتابه الممتع(صفحات من مذكرات نجيب محفوظ)عن مقابلة الروائى الكبير لصلاح نصر(1920-1982) الرئيس الأسبق للجهاز المخابرات فى مكتب نائبه (طلعت خيرى)دون ان يقدم له نفسه أو يقدمه نائبه ودار حوارطويل بينهما حول روايات الكاتب الكبير الذى سيراه بعدها خلف(البكباشى)فى صورة بجريدة الأهرام ليكتشف انه كان جالسا دون أن يعرف مع اخطر شخصية فى النظام البكباشاوى كله..وكانت هناك إشاعات فى هذا الوقت بأن الجهاز كان يقف وراء اعتراض الأزهر الشريف(اهم مؤسسة دينية فى المشرق)على روايات نجيب محفوظ..صلاح نصر رفع قضية على الروائي الكبير عام 1974 يتهمه فيها بالتشهير والإساءة لأنه كان يقصده ويعرض به فى رواية(الكرنك)من خلال شخصية خالد صفوان(كمال الشناوى فى الفيلم).     

عن مثل ذلك وأكثر ستعرض لنا الكاتبة البريطانية خريجة أكسفورد :فرانسيس سوندرز(52 عام) ستعرض لنا معلومات وتفاصيل مرعبة فى كتابها الهام(المخابرات الأمريكية والحرب الباردة الثقافية_ من يدفع للزمار)الكتاب ترجمه الكاتب والشاعر السورى(أسامة اسبر/ 55 عام)ونشرته دار الطليعة السورية عام 2002 وأيضا له ترجمة مصرية ضمن المشروع القومي للترجمة صدرت عام 2003 قام بها الراحل طلعت الشايب(1942-2017) وظهرت بعنوان (الحرب الباردة الثقافية – المخابرات الأمريكية وعالم الفنون والآداب) هذه الترجمة صدرت منها 4 طبعات .
سنرى فى الكتاب الدورالأساسى والرهيب للثقافة في الصراع الفكرى والسياسي والاجتماعي الذى يدور حولنا هنا وهناك وهناك وهنا..حيث ثقافتين مختلفتين تتصارعان على (الوعي)وتنشطان باستمرار في الميدان الروحي /الفكرى ثم السياسى..من أجل سلب عقول البشر والأهم والأخطر سلب(إراداتهم) وتحريكهم كمسره العرائس في سبيل تحررهم أو استعبادهم _ هكذا تكون اللعبة..؟؟!! هذه الحرب الباردة الثقافية(كما يقول الكتاب)ركزت هجومها على تدمير التحصينات الأمامية للوعي عبر الدعاية والإعلام والثقافة المفتوحة كي يبقي الجمهور(قطيعاً حائراً مذهولاً)يرى أن كل ما تقوم به(أمريكا)صحيح  وهم هنا بالطبع يعتقدون أن ذلك هو اقتناعهم الشخصي ووصلوا اليه بعد بحث وسؤال وتفكير وليس إيحاء من أحد..أي أن يقبلوا(طواعية الاستعباد  النفسى)للمصالح الأميركية ..وبسهولة ساهلة سنجد أمامنا بشر يأتون ويذهبون على غير هدى ..هم هنا وكأنهم ليسوا هنا.
 إنها مؤسسات كبرى(وهمية) وتمويل سري ضخم وحملة إقناع هائلة في حرب دعاية ضارية تخطط لها وتديرها أجهزة المخابرات وعلى رأسها بالطبع جهازالمخابرات المركزية الأمريكية الذى سيقوم برعاية مؤتمرات ومعارض وتنظيم حفلات موسيقية وندوات ولقاءات ثقافية وفكرية كما سيقوم بالنشر والترجمة والترويج للعديد من المثقفين المرموقين الذين يسوًقون للسياسات الأميركية ..كل ذلك لمواجهة أي مضمون اجتماعي أو فكرى يمكن أن تقدمه هذه الفنون والأفكار يخالف الرؤى الأميركية وأيضا سيدعم المجلات والجرائد التي تنتقد ثورات التغيير السياسية.. وتشرح الكاتبة كيف تمكنت الاستخبارات الأمريكية من الاستفادة من أبرز دعاة الحرية الفكرية في الغرب لخدمة هذه السياسات إلى حد أنها كانت تشرف مباشرة على(رواتب) بعضهم وكيف أن بعضهم كان على علم بتورطه في مشاريعها في حين أنكر البعض الآخرعلمه بتورطه..من الذين مولتهم الأجهزة الأمريكية والأوروبية تمويلاً مباشراً أوغير مباشرمثقفون وفنانون وموسيقيون ومنشقون وسياسيون(مولت حملاتهم الحزبية)من  كل هذه الانواع ستبرز لنا اسماء مثل إيرفينج كريستول(أستاذ المحافظون الجدد)وأشعيا برلين(من اهم مفكري الليبرالية فى القرن العشرين)ستيفن سبندر(الشاعر والروائي الإنجليزي)سيدني هوك(الفيلسوف والمؤرخ وصاحب كتاب التراث الغامض-ماركس والماركسيون) و دوايت ماكدونالد(الكاتب والناقد الامربكى)حنا ارنت( المفكرة الألمانية والمنظرة الشهيرة)وماري مكارثي (الروائية الأمريكية المعروفة)وغيرهم كثيرون .
من المهم هنا أيضا أن نعرف بأن الرئيس الأميركي هاري ترومان الرئيس الــ 32 لأمريكا (1885-1972)  هو الذى انشأ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام  1947والذى كان يرى ضرورة وضع استراتيجية ثقافية بإمكانها أن تقف في وجه الثقافة الشيوعية التي كانت تغزو العالم وقتها فاعتمدت  فى ذلك على شبكة واسعة وشديدة التأثير من رجال المخابرات وخبراء الاستراتيجيا السياسية والمؤسسات الرسمية والجامعات وأٌلحق بــ السى أي إيه ما عرف بــ اتحاد(كونسورتيوم) والذى سيكون له هدف مزدوج: تحصين العالم ضد الشيوعية وتمهيد الطريق أمام المصالح الأمريكية في الخارج ونتيجة لهذا العمل المتضافر نشأت شبكة قوية تتكون من مجموعة من الأشخاص باحثين وكتابا وصحافيين وأدباء وروائيين ومذيعين يروجون لفكرة(السلام الأمريكي) وأن العالم بحاجة إلى هذا السلام الأميركى.. هنرى كيسنجر اليهودى والالمانى الاصل(95 عاما) ذاك الشرير الذى يزرع البؤس والموت حيث يحل(هل تذكروا جرائم السبعينيات؟)وأشهر وزيرخارجية أميركي خلال الحرب الباردة يصف هذا الكونسورتيوم بأنه(أرستوقراطية مكرسة لخدمة هذه الأمة بشكل أكثر من مجرد المناصرة)هذا الجهاز/الاتحاد اعتمدت عليه أمريكا كثيرا وكان سلاحها السرى لقهر خصومها وتكريس ثقافة الهيمنة على العالم.. يقول الكتاب انه يندر أن تجد أديبا أو كاتبا في تلك الفترة لم يكن مرتبطا بهذا التحالف سواء بعلم منه أم من دون علم. 
الرسالة والهدف الذى لا يزال قائما ونافذا هو تكييف الجمهور وفق أهداف السياسة الأميركية ومصالحها وهذا ما يعطى الكتاب أهميه متجددة ولا تزال مجموعات المفكرين تحت ستارمن السرية المطلقة يتولون وضع المبادئ الأيديولوجية الأساسية الموجهة لنشاط العاملين في(صناعة الرأي العام) فالقرارات الكبرى ذات الأهمية الكبرى لم تنطلق من الهيئات التمثيلية المنتخبة أيها الأصدقاء _هذا ما يبدو أمام عيوننا _بل من قبل لجان تعمل وراء الكواليس(فى الدهليز وبير السلم)..سنعرف ما يسمى(فيلق النخبة)التابع لمكتب الخدمات الاستراتيجية صاحب المهمات غير الشرعية وغير القويمة_ هكذا قالت الكاتبة_ واستطاع أفراده فيما بعد أن يفردوا نفوذهم على قاعات مجالس الإدارات والمؤسسات الأكاديمية والصحف الرئيسة والإعلام والشركات القانونية ومؤسسات الدولة وأمدتهم معتقداتهم المسيحية بقناعة لا تتزعزع بأنهم الصفوة وليسوا الفئة المختارة فقط ).
ألن دالاس(المحامى ومؤسس فرع الجاسوسية فى السى أي إيه وقبل ان يبعده الرئيس ترومان من المخابرات قام بتشكيل قسم العلاقات الدولية فيه بهدف تشجيع المفكرين على تقديم أفكار ونظريات لا تستهدف الجماهير العريضة وإنما موجهة بالدرجة الأولى..لمن؟؟ لمجموعات نخبوية صغيرة من الجماعات الضاغطة ورجال الصناعة ممن يقرون بالمصالح الأمريكية) عليك ان تتأمل التأمل وتركز التركيز حين تقرأ فى الكتاب أن ألن دالاس هذا  قام بحفر عبارة من الإنجيل على أحد مبانى الوكالة تقول(ولسوف تعرف الحقيقة ولسوف يجعلك الرب حرا)إنه ثالوث القهر والاستعباد للبشرالأحرار:السياسة(فرعون)الاقتصاد(قارون)المؤسسة الدينية(هامان)..كما يحكلا لنا الراحل على شريعتى وهكذا أيها الأصدقاء يتواطأ الكهنوت مع المخابرات على إخفاء شيطان الثروة وتهريبه داخل النصوص والأسفار الدينية  تقول الكاتبة:(وما كان للمكارثية أن تظهربالقوة التي دفعت نشاطاتها..بدون مفهوم الخطيئة الأولى المروج له عمداً من قبل علماء اللاهوت المقربين من الوكالة..وكان من طقوس الملاحقة المكارثية أن يقوم المعترف علنا بلعن شركائه السابقين إلى جانب لعنه للشيطان..كانت طقوس الاعتراف التحقيقي أمام المحققين تتم بمظهر ديني). 
حملة المكارثية (والتى لازال لها تطبيقات متنوعة فى كثير من البلدان)نسبة الى السيناتور جوزيف ريموند مكارثي ( 1908-1957)وظهرت في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية وكانت تقوم بما عرف وقتها(التطهير الثقافي)وكما تقول الكاتبة:)والتي بدت وكأنها لن تتوقف..!!! فكان الجو يشبه ذاك الذي كان سائدا أثناء الثورة الفرنسية عندما كانت الاتهامات والمحاكمات تؤدي إلى المقصلة وبينما لم تكن هناك مقصلة في واشنطن إلا أن المصير كان أكثر سوءا بتدمير عمل الفرد وتدمير حياته كلها..وهو ما ينفى تماما فكرة أن أميركا مجتمع ديمقراطي متقدم يمكن أن يستوعب جدلا سياسيا عقلانيا). 
كل ما ذكرته الكاتبة فى هذا الكتاب الهام حقيقى وواقعى ومنتزع من قلب الواقع الكائن والذى يريدون له أن يكون.. وهو ما يجعل الكتاب وكاتبته وموضوعه على درجة كبيرة من الأهمية ..للمثقفين والسياسيين سواء الذين يمارسون السياسة بالفعل أو الذين يشاهدونها ويتفرجون عليها .


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • مغرب

    06:41 م
  • فجر

    03:57

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:41

  • عشاء

    20:11

من الى