• الإثنين 20 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر04:00 ص
بحث متقدم

*حكايتي .. وابتسامة هوليود (1)*

مقالات

من الضروري التعريف، بين يدي المقالة، بهذه الابتسامة التي تشيع من سنوات بين طبقة المشاهير والأعلام، خصوصا مذيعي ومذيعات الفضائيات، إذ المقصود بابتسامة هوليود: هي الابتسامة الجميلة التي تتوافر على بعض الخصائص كبياض الأسنان الذي يحيلها إلى لؤلؤ منضود، وأسنان متراصة ومتناسقة بلا فراغات بينها، وباختصار؛ هي تلك الأسنان التي جاءت في البيت المعجز الشهير ليزيد بن معاوية:
 وأمطرتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسَقتْ
وردًا وعضّتْ على العنّابِ بالبَرَدِ

ولكن ما صلتي بهاته الابتسامة التي نسبت للممثلات الجميلات في هوليود ، اللواتي يضرب  بهن المثل في جمال الأسنان، وبذات الوقت خالفت هذه الابتسامة ذوق العرب قديما، وهم الذين كانوا يتغنون بالأسنان التي تحوي فراغات، ويعدونها من أساسيات الجمال؟!
كمعظم جيلي من الطبقات الكادحة والمتوسطة، لم تك لدينا الثقافة الصحية للأسنان، فلعب السوس بأسناني نخراً من كل صوب، وعدمتُ ضروس العقل، التي ما إن تطلّ حتى تتسّوس، لأسارع بخلعها دونما أي تفكير خلاصاً من ألمها، فيما ملأتْ فمي الحشواتُ المعدنية التي كان يرقّع بها الأطباء ضروسي المهترئة، وزاد الأمر ضغثا على إبالة؛ أن عادة الكزكزة على أسناني تلبّستني بفعل التوتر الذي يسربلني بكل أوقاتي، خصوصا بالليل، وقال عنه بعض الأطباء أن مجيئه بسبب المجال الذي أعمل فيه.
عانيتُ من سنوات من حشوة تتساقط كل شهرين أو ثلاث بسبب مكانها الحرج بين الناب العلوي وسنّ القاطع، وكنت أحتج على الأطباء وأتعجّب بألا يوجد حلٌّ نهائي لها، فأشارت عليّ استشارية كبيرة بضرورة مشورة أطباء تركيب الأسنان، وقالت بأنّ أسناني تحآتت وتصاغرت بشكل كبير بفعل عادة الكزكزة تلك، وأنّ العصب سيظهر قريبا، وشبّهتها لي –بكل اعتذار منها- كعجلات السيارة التي انمحت بسبب الاستعمال، وظهرت بعض أسلاكها.
بلعتُ تلك الإهانة الرمزية المستحقة، وأخذت بعضي إلى الاستشاري الشهير في تخصصه د. سامي فارسي بقسم الأسنان بمستشفي الملك فهد بجدة، والذي أشيد حقا بتميز المستشفى في مجال الأسنان، عكس ما انطبع عنه في فترات بعيدة سابقة، وبعد معاينتي قال لي د. فارسي بأن منطقة الفجوة عندي صعبة، وستسقط أية حشوة تُحشر فيها، ولا حلّ أمامك سوى القيام بالتركيب، ووصل لقراره بعد أن رأى هول ما وصلت له أسناني من نحت، وكرّر بأنها بضعة أشهر وسيظهر العصب وستعاني أية معاناة، وعندما رأى تردّدي ووجومي قال لي بأنك ستكسب "ابتسامة هوليود"، وستظهر في الشاشة بشكل أجمل؛ فطار عقلي، وانفرجت أساريري على آخرها، وقلت له: تمّ، بطريقة الممثل حسن عسيري، ولم أدر أنني أتممت على مفاوز وأهوال ولحظات رعب وألم يهز بدني كاملا، وأكمل لي الرجل حديثه بأنها صعبة، وستطول أيضا، ولكن جمال تلك الابتسامة الهوليودية اللعينة أعماني عن سماع ما يقول وينبّه.
من حسن حظي أن د. فارسي أحالني لأميز طالب زمالة يشرف عليه، وإذا بي أمام شاب أنيق وسيم ومهذب غاية التهذيب، اكتشفت خلال التسعة أشهر الماضيات التي دخلت فيها مشروع هاته الابتسامة النكباء؛ أنه جادٌ في عمله، مميزٌ في تخصصه، ملتزمٌ بأوقاته، بل وحتى من فرط حبّه لمهنته أنشأ معملا خاصا به في منزله، يعمل آناء الليل فيه، ويعرف التربويون أن من يحب تخصصه ويعطيه الأكثر من وقته، فهو في طريقه للنبوغ والتفوق.
بكل تهذيب قدّم لي نفسه بأنه محمد صندقجي، وأنه طالبٌ في الزمالة، وشرح لي بكل أدب الخطوات الخمس العامة التي طرت بها فرحا، وأنا أظن المسألة خمس جلسات فقط.. لا أدرى أيصيبكم هذا العمى عند فرحكم على مسألة ما، بما يحصل معي؟! في كل الأحوال، امتدت جلساتي ليومي هذا حوالي ال20 جلسة، تخللتها عملية جراحية مؤلمة لزراعة سنّ، ولمّا أنته بعد، وأنا أسرد لكم ما حصل، كي تقدموا على مشروع هذه الابتسامة الهوليودية بكامل قواكم العقلية، ولا تتهوروا وتعميكم النهاية السعيدة على العذاب والألم المضني الذي ستمرّون فيه، وصدقا لمرات عديدة بعد خروجي من غرف العمليات تلك؛ كنت أقول: ليت عندي أسنان سعيدان الذي مثل دوره عبدالله السدحان في طاش ما طاش بدلاَ من هذه الابتسامة الشؤم، ولا أمرّ على مفاوز العذاب هاته..
بدأت مرحلة العلاج مع د. محمد صندقجي بالتصوير لجلستين، ومن ثم جاء يوم النحت، وهنا فرقٌ بين حالتين، الأولى منهما تلبيسات يقوم بها الطبيب وفقط، بينما الثانية فيها العذاب المقيم: نحتٌ كامل لكل الأسنان، وهو ما دخلت فيه جبرا بسبب سوء حالة أسناني. امتدت الجلسة الأولى لسبع ساعات كاملات، والثانية لست ساعات، مضت الأولى بسلام، ما ثمّ إلا ألم إبر التخدير المتتالية، وسماعك لأزيز الحفار البغيض، وهو ينحت في أسنانك طولا وعرضا، وباتت الأسنان مستدقّة منتصبة بشكل رفيع، وهالتني صورتي بأسناني المنحوتة، ولكأنني من أشرار أفلام الرعب أولئك. أتذكر أنني ذقت الأمرّين في الجلسة الثانية؛ إذ ثمة ضرس في آخر الفك السفلي التهب فيه العصب، وبرغم إبرتي التخدير الاثنتين، لم يستجب العصب ليسكن، فكان مجرد أزيز الحفار واقترابه من الضرس؛ يجعلني أصرخ من فرط الألم الممضّ الذي أشعر به في مخي من قوته، وجسمي كله يرتعش وينتفض مع كل هجمة لحفّاره الجبار، تشعر أن كل خلية بك تتجاوب ألما وأنت لا تملك إلا أن تتأوه وتتلوى، وتدمع عيناك رغما، ألمٌ لا أنساه لليوم.
من طول الجلسات التي مررت بها، كنت أغمض عيناي، وأذهب في خيالات بعيدة، أحلّ مشاكل العالم تارة، وأنفلت فجأة لطفولتي بمدينة الطائف الأحبّ، وأنتقل مباشرة بعدها إلى أصدقاء الجامعة أو أبنائي وقد كبروا، حتى بتّ قبل أن آتي للجلسة؛ أرتب المسائل التي سأحلها وأنا في وضعي ذلك، حيث الفم مفتوح بالكامل عبر دعامات بلاستيكية تمنعك من إطباق شفتيك، وثمة مشابك على أشداقك، والطبيب مع مساعدته يعملان، والكشاف على عينك لا ترى شيئا من وهجه، لتذهب أنت في عالم بعيد من الأخيلة القريبة والبعيدة، ولا تفيق إلا على وخزة ألم شديدة ومباغتة تعيدك لعالمك من جديد، وتبدأ في وضع التوثب لاحتمال عصب سيضرب أو سنّ مضروب سيئنّ أو ضرس يحتج، فيما رائحة السنّ المشتغل عليه تشعر بها في حلقك، وتظل فترة طويلة متوثبا، لا تلبث حتى تعود أدراجك لتجوب العالم بعد فترة سلام مع ذلك الحفار الذي لا يني ولا يكلّ، صوته الطنان الذي تحمله معك وتحلم به والله في منامك بما حدث معي.
خذ بعض النصائح إن كنت في حالتي ممدّدا على كرسي العذاب ذاك, فإن سمعت الطبيب يهتف "انجكشن"، فتأهب كاملا، لأنه سيباغتك بإبرة التخدير التي كرهنا أطباء الأسنان كلهم بسببها، وإن سمعته يهتف "سكشن" فليتهلل وجهك، فقد جاء الفرج، بتلك الشفاطة التي تسحب كل ما تراكم في فمك من فتات الأسنان وقطع الحشو المعدنية واللعاب المتكاثر. أطرف ما في الأمر أن شفتك تكون مشجبا لمشارط وأدوات الطبيب يعلقها على براطمك السفلى، وحتى تلك الشفاطة التي من فرط خبرتي؛ بتّ أتناولها بنفسي وأنظف فمي، وأخذها كماصّة وأرتاح دونما حاجة للممرضة أن تساعدك، غير ناس تذكيرك بأن لدى أطباء الأسنان منديل تخدير، يمكن لمن لديه فوبيا الأبر أن يطلبها، فيدهن بها الطبيب مكان الإبرة، ثم يوخزك بإبرته فلا تشعر إلا لمَما بألمها، وللأسف لم أعرفها إلا متأخرا، وبعد أن ثقبوا بها لثتي، التي من كثرة وخزات الإبر فيها لا أظن بها مكانا لم تقبّلها تلكم الإبر، وصحّ فيها قول المتنبي العظيم:
وصرتُ إذا أصابتني سهامٌ
تكسّرت النصالُ على النصالِ
وإن أثنيتُ على قسم الأسنان بمستشفى الملك فهد بجدة، رغم تواضع المبنى المستأجر لها، إلا أن الفجيعة الكبرى كانت في مستشفى الأسنان بجامعة الملك عبدالعزيز، والذي لم أتوقع أبدا أن يكون بهذا الفشل والتأخر والإهمال، وتلك حكاية سأسردها مع بقية قصتي مع ابتسامة هوليود في المقالة المقبلة، وقصة زرع السنّ الفاشلة بالجامعة التي أبكتني ألماً، وحكاية اتهام أصدقائي لي بالزوجة الثانية..

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • شروق

    05:28 ص
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:38

  • عشاء

    20:08

من الى