• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر11:07 م
بحث متقدم

الأهمية الاستراتيجية لمعركة تطهير عفرين السورية

مقالات

نجحت تركيا في تحقيق واحد من أهم أهدافها الاستراتيجية في الأزمة السورية ، وهو تفكيك تنظيمات الانفصاليين الأكراد في منطقة عفرين ومدينتها ، بعد أن دخلتها القوات التركية هذا الأسبوع مع قوات الجيش السوري الحر ، وتحرك الأتراك بذكاء عسكري كبير في تلك المعركة ، فتعاملوا معها بصبر وطول نفس ، وبطريقة القضم البطيء على مدار شهرين للقرى والجبال الاستراتيجية وغيرها ، وصولا إلى الاقتراب من حصار مدينة عفرين نفسها من جميع الجهات باستثناء جيب واحد تركوه للمقاتلين كفرصة للهرب ، وهو ما تحقق بالفعل ، لذلك دخل الجيش السوري الحر والقوات التركية المساندة له المدينة بدون اشتباكات حقيقية بعد فرار الميليشيات الماركسية الكردية التي كانت تسيطر على المدينة ، تاركة وراءها أكداسا من السلاح والذخائر وقاذفات الصواريخ التي تسلمتها من الجيش الأمريكي بدعوى مواجهة تنظيم داعش .
والحقيقة أن معركة تطهير عفرين تحسب من الناحية الأخلاقية للجيش السوري الحر والجيش التركي ، لأنها المعركة الوحيدة التي جرت في سوريا بدون خسائر كبيرة بين المدنيين ولا تدمير للمنشآت والمدارس والمستشفيات والمساجد ، بل كانت خسائر الجيش التركي أكبر من الخسائر المدنية ، وهي حالة نادرة جدا ، نظرا لامتلاك تركيا جيشا ضخما وقدرات تسليحية وتدميرية عالية ، بطيران وصواريخ ومدفعية ودبابات وخلافه ، وبعد دخول المدينة شاهد العالم كله سلامتها ، وكأنها لم تدخل حربا أصلا طوال شهرين ، والصور والفيديوهات التي نشرت عن المدينة كانت كافية للمقارنة مع الدمار الوحشي الهائل الذي فعله نظام بشار الأسد والروس والإيرانيون في مدن حلب والغوطة أو ما فعله الأمريكيون في الرقة .
المشروع السياسي الأساس للحزب الديمقراطي الكردستاني السوري هو الانفصال عن سوريا وتأسيس دولة شمال سوريا بالشراكة مع حزب العمال الكردستاني التركي ، لذلك تصرف الحزب السوري على اعتبار أنه فرع سوري لحزب العمال الكردستاني التركي ، وكانت صور الزعيم التركي الكردي عبد الله أوجلان الضخمة تزين شوارع عفرين "السورية" وكذلك تماثيله باعتباره رمز الحركة الانفصالية السورية التركية ، في إعلان صريح عن وحدة المشروع والهدف والاستراتيجية ، بحيث تكون شوكة في خاصرة تركيا ، وعامل اذلال عسكري وأمني مستمر ، والأمريكيون لم يكونوا في غفلة عن هذا المشروع الذي يعرفه حتى الصبي السوري الصغير ، ومع ذلك تعمدوا حماية هذه الحركة ودعمها وأعلنوا عن خطط لتوسيعها كقوة عسكرية من ثلاثين ألف مقاتل ، وكان من حماقة الحزب أن تورط في قصف المدن التركية الجنوبية بالصواريخ ، مما ساهم في احتشاد قومي تركي وراء عملية تطهير عفرين ، وبذلك حققت تركيا هدفين ، أحدهما يتعلق بأمنها القومي ، بمنع تشكل دويلة كردية انفصالية تهدد بصفة دائمة أمنها القومي عسكريا وتؤسس لشرخ قومي واجتماعي كبير ينتهي إلى تقسيم تركيا نفسها ، خاصة والدولة التركية تخوض المعركة المسلحة ضد الانفصاليين الأكراد منذ قرابة أربعين عاما ، أي قبل حكم أردوغان وحزبه بربع قرن تقريبا ، فهي قضية تركيا الدولة والشعب بغض النظر عن النظام السياسي ، والهدف الثاني خدمت به الشعب السوري بمنع مشروع الانفصال عن سوريا ،  وإفساد مخطط تقسيم سوريا الذي يرتب له صانع القرار الأمريكي ، حيث كان رهانه الأول والأكثر خطورة هو الدولة الكردية في الشمال .
هناك مكاسب أخرى تحققت للشعب السوري بطبيعة الحال من نجاح تلك المعركة ، حيث يمكن الآن أن تشكل منطقة حماية ، لا يمكن لطيران الأسد أو جيشه قصفها أو الاعتداء على أهلها كما يفعل في كل مكان بسوريا ، ويضطر ملايين السكان للهرب واللجوء لدول أخرى ، الآن هناك مظلة حماية ، وقد لوحظ أن السكان الذين فروا من القتال بدأوا يعودون سريعا إلى عفرين بعد أقل من يومين من انتهاء المعارك ، ورغم خطورة عمليات تفكيك الألغام التي خلفتها الميليشيات الكردية ، والتي يقوم بها الجيش التركي حاليا .
عفرين ليست منطقة نفط ولا غاز ولا ثراء من أي نوع ، وبالتالي فهي ليست مطمعا على أي مستوى ، والأتراك أعلنوا على لسان أردوغان ورئيس وزرائه ووزير خارجيته أكثر من مرة ، أنهم لن يبقوا فيها ، وسوف تسلم لإدارة مدنية سورية ، بعد تأمينها واستكمال تطهيرها ، والحقيقة هذا ما فعله ويفعله الأتراك في كل المدن والمناطق التي دخلوها في الشمال السوري بالاتفاق مع الروس ، مثل إدلب والباب وغيرها .
كانت الثورة السورية في بدايتها ، تيارا شعبيا سلميا يستلهم فورة الربيع العربي ، شباب يحتشدون في الميادين يغنون للحرية ، ويطالبون بالكرامة والعدالة والديمقراطية وإنهاء رعب الأجهزة الأمنية والسجون والمعتقلات ، فرفض الطاغية بشار الأسد أن يسمع لصوت شعبه أو حتى يلتقي به في منتصف طريق ، وقابل الحناجر بالرصاص والدبابات ، فانقسم جيشه ، ولما استشعر الخطر أخرج التنظيمات الإرهابية المتطرفة من سجونه وأطلقهم في المدن وسهل لهم الحصول على السلاح فأثاروا الفوضى في كل مكان ، وظهر رعب داعش ، ثم استدعى الميليشيات الإيرانية واللبنانية والأفغانية والعراقية ، ثم دخل الروس والأمريكان ثم دخل الأتراك ، وتحولت سوريا إلى صراع إقليمي ودولي مفتوح على المجهول ، كل ذلك بسبب أن طاغية مجرما ورث السلطة عن أبيه في نظام جمهوري ، رفض أن يتحاور مع شعبه أو أن يستجيب لشيء من أشواقه للحرية والعدالة والكرامة ، تكبر على شعبه ، ثم هو الآن يقبل الأحذية الروسية التي تمنع نظامه من السقوط .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:27 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى